[size=32]السلام عليكم و رحمة الله و بركاته[/size]

[size=32]بسم الله الرحمن الرحيم[/size]



الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ من أعظم وصايا نبينا عليه الصلاة والسلام قوله لأبي ذر رضي الله عنه: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» أخرجه أحمد والترمذي وهو حسن.
ولاشك أنه عليه الصلاة والسلام لم يوص بهذه الوصية إلا لكونها جامعة لأمر الخير كلِّه؛ لأنَّ العبد عليه حقان؛ حق لله تبارك وتعالى، وحق لعباده، وحق الله تبارك وتعالى أن يتقيه، وحقيقة التقوى هي: فعل المأمورات واجتناب المنهيات، وهذا الحق الذي للعبد على الله تعالى لابد أن يخل ببعضه أحيانا، إما بترك مأمور به أو فعل منهي عنه، ولذلك قال بعد: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها».
فالكيس؛ هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات ما يمحو به السيئات، لكن ينبغي أن تكون هذه الحسنات من جنس السيئات، لأنه أبلغ في المحو، واعلم أخي القارئ أن الذنوب يزول موجبها بأمور:
أولها: التوبة؛ قال الله جل وعلا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكمْ تُفْلِحُون﴾ [النور:31].
ثانيها: الاستغفار من غير توبة؛ فإن الله تعالى قد يغفر للعبد إجابة لدعائه،وإن لم يتب، فإذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال.
ثالثها: الأعمال الصالحة المكفرة؛ وهي على قسمين:
-كفارات مقدرة: مثل كفارة اليمين والظهار والقتل الخطأ المجامع في نهار رمضان والمرتكب لبعض محظورات الحج، أو التارك لبعض واجباته، وغيرها، وهي أربعة أجناس: هدي وعتق وصدقة وصيام.
-وكفارات مطلقة؛ كما قال حذيفة لعمر: «فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكفرها الصلاة والصيام والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» أخرجه الترمذي وابن ماجه وهو صحيح.
والذي نريد تقريره هنا، هو تكفير السيئات بالحسنات، فإنه قد دلت النصوص الكثيرة على هذا المعنى، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾[النساء:48].
والمقصود أن الله يغفر لصاحب التوحيد مالا يغفر لصاحب الإشراك، لأنه قد قام به ما يحبه الله ـ وهو التوحيد ـ ما يقتضي أن يغفر له بوعد الله تبارك وتعالى، ويسامحه مالا يسامح به المشرك، وكلما كان توحيد العبد أعظم كانت مغفرة الله له أتم، ولهذا لا نتعجب من أن يغفر الله للحاج جميع ذنوبه، صغيرها وكبيرها، كما ثبت في الحديث الصحيح: «من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»؛ لأن الحاج قد قام بأعمال عظيمة، وأعظمها التوحيد وإعلانه، مما جعل ذنوبه تصغر أمام هذه الأعمال، وذوب فيها، وهذا لعظيم كرم الله على عباده، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا» أخرجه الشيخان.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر»
قال النووي رحمه الله: «معناه أن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر، وليس المراد أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة، فإن كانت لا يغفر شيء من الصغائر، فإن هذا وإن كان محتملا فسياق الحديث يأباه»، واشترط بعضهم لتكفير الكبائر أن يتوب صاحبها منها، والظاهر والله أعلم أن هذه الصلوات تكفر الذنوب الصغيرة والكبيرة،بفضل الله ورحمته،إذا أدى المسلم هذه الصلوات كما أمر الله ورسوله كما قال صلى الله عليه وسلم: «من توضأ كما أمر وصلى كما أمر غفر له ماقدم من عمل» ويدل له أيضا الاستفهام التقريري المتقدم في قوله: «هل يبقى من درنه شيء؟».
والقول بأنَّ الكبائر لابد لها من التوبة قول تأباه بعض النصوص، فإن الله عز وجل يغفر للحاج جميع ذنوبه وعلق غفران هذه الذنوب بعدم رفثه ونسقه ولم يشترط توبته.
وقد وردت أحاديث كثيرة تبين أن بعض الأعمال تكفر الذنوب كالعمرة وصيام عاشوراء والجمعة وصيام يوم عرفة لغير الحاج وغير ذلك.
وإذا تبين هذا فأعلم أخي المسلم القارئ، أن الله جل وعلا، يتجاوز لعبده المحسن بقدر إحسانه، ولذلك كان أولوا العزم من الرسل أعظم من غيرهم من الأنبياء، لما بذلوه، ولما لاقوه وعانوه من أقوامهم، فهذا موسى عليه الصلاة السلام رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها، وجر بلحية نبي مثله وهو هارون، وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد صلى الله عليه وسلم ورفعه عليه، وربه جلّ وعلا، يحتمل له ذلك كله ويحبه صلى الله عليه و سلم، لأنه عليه الصلاة والسلام قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدوّ له، وصدع بأمره، وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل أشدّ المعالجة، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر، وانظر إلى يونس بن متى، حيث لم يكن له تلك المقامات التي لموسى، غاضب ربه مرة فأخذه وسجنه في بطن الحوت ولم يحتمل له ما احتمل لموسى ويشهد لهذا المعنى أيضا ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قـال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما صاحبكم فقد غامر، فسلم وقال: يا رسول الله، إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى عليّ، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر (ثلاثا) ثم إن عمر ندم فأتى نزل أبي بكر فسأل: أثمّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلي النبي صلى الله عليه وسلم فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعّر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم (مرتين)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله بعثني إليكم فقلتم:كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواسانـي بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي (مرتين) فما أذي بعدها».
فلم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤذى أبو بكر بفعل أو قول حتى ولو كان هو أظلم، لما لأبي بكر من مقامات النصرة الصادقة والبذل الكثير ما يجعل تلك الأخطاء تضمحل أمامها، ومن هذا الباب ما قرره أهل السنة من أن الرد على المبتدع من أرفع أنواع الجهاد في سبيل الله لما فيه من تمام النصح لهذه الأمة في دينها ولما فيه من المشابهة التامة لوظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
ولهذا كان هناك فرقا بين من أتى بذنب واحد ولم يكن له من الإحسان والمحاسن ما يشفع له، وبين من إذا أتى بذنب جاءت محاسنه بكل شفيع كما قيل:
وإذا الحبيب أتـى بذنب واحـد جاءت محـاسنه بألـف شفيع
فالأعمال الصالحة إذا، تشفع لصاحبها عند الله وتذكّر به، إذا وقع في الشدائد فهذا يونس عليه الصلاة والسلام، لولا أن كان من المسبّحين لبقي في بطن الحوت كما قال جلّ وعلا: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾ [الصافات: 143 ـ 144]، وفرعون لمّا لم تكن له سابقة خير تشفع له وقال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:90] قيل له: ﴿ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِين﴾ [يونس:91].
وفي مسند أحمد وسنن ابن ماجه بسند صحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ممّا تذكرون من جلال الله التسبيح والتهليل والتحميد، لينعطفن حول العرش، لهنّ دويٌّ كدويِّ النحل، تذكِّر بصاحبها أما يحب أحدكم أن يكون ـ أو لا يزال ـ له من يذكِّر به؟».
فعلى المسلم النبيه الذي وفقه الله إلى الإسلام والتمسك بالسنة والعمل بوصية الله القائل: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ﴾ [النساء:131] أن يبادر إلى فعل الحسنات متى استطاع، ولا ينبغي أن يتقالَّ أي عمل مهما كان وقد استحق صاحب البطاقة التي فيها لا إله إلا الله دخول الجنة رغم أن له تسعة وتسعين سجلا كلها خطايا وهذا بفضل الله ورحمته.

بقلم الشيخ عبد الخالق ماضي حفظه الله