[size=32]تنبيهات مهمة في باب -الإيمان بالقضاء والقدر-.للشيخ صالح آل الشيخ
[/size]
كتاب الله جل وعلا السابق وهو ما كتبه في اللوح المحفوظ هذا يسمى أم الكتاب، وهو لا يتعرض لتغيير ولا تبديل، وهناك قدر وتقدير مكتوب في صحف الملائكة، وهو الذي يكتب كل سنة ليلة القدْر، القدْر هنا بمعنى القدَر ليلة القدَر أو ليلة القدْر؛ لأنه في ليلة القدر من كل سنة بقدر الله جل وعلا فيكتب في الصحف التي في أيدي الملائكة الموكلة بأحوال الناس ما سيقع في السنة المقبلة، ولهذا قال جل وعلا ?يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ?[الرعد:39]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أما ما في أم الكتاب فلا يتعرّض لتغيير ولا تبديل، وأما ما في صحف الملائكة فيمحو الله ما يشاء ويثبت.
وهذا معنى قول عمر فقول غيره من الصحابة والسلف اللهم إن كنت قد كتبتني شقيا فاكتبني سعيدا. وهذا يتغيّر، فالله جل وعلا يجعل الأمور منوطة بسبابها فإذن كما في قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «من سره أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في عمره أو أثره فليصل رحمه» العمر أليس الأجل منتهي؟ العمر غير الأجل ?وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ?[فاطر:11]، العمر غير الأجل، الأجل منقضي ?فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ?[الأعراف:34]، أما العمر والأثر فيقبل التغيير لأنه هو الذي في صحف الملائكة، فينيط الله جل وعلا هذا العمر ينيطه بفعل العبد وهو يعلم ما سيفعل العبد، وهذا لاظهار فضل الله جل وعلا ولاظهار أنه ينبغي على العبد على الأسباب التي تجعله ينسأ له في أثره ويرزق ويكثر ماله إلى آخره.
تغيير القدر أو تغيير ما كتب في صحف الملائكة منوط بأسباب «من سرّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» فلهذا قد زيد العمر بالبر كما قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «فإن البر ليزيد في العمر». هذا التنبيه الأول.
التنبيه الثاني أن الله جل وعلا حجب حكمته عن الناس ولو أطلع الناس على حكمته في الأشياء لا هلكوا وحاروا؛ لأن الحكمة منوطة بالعلم، وعلم الإنسان قاصر، ولو للإنسان أنه يعترض على الشيء الذي لا يعلمه لأجل أنه لا يعلم الحكمة فإنه سيضل؛ بل سيحرم العلم والهدى.
وخُذ مثلا في حرمان بعض العلم بسبب الاعتراض، ما جاء في سورة الكهف من قصة موسى عليه السلام مع الخضر، سورة نقرأها كل جمعة وفيها من العبر وفيها من الفوائد ما يحيي الإيمان في النفوس جميع احوال الإنسان وأحوال المسلم.
هذا الخضر مع موسى، الخضر عنده علم من علم الله ?وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا?[الكهف:65]، وموسى علمه قاصر عن علم الخضر.
?رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا? الخضر، ?قَالَ أَخَرَقْتَهَا? موسى اعترض؛ لأنه ما يعلم ما الحكمة من الخرق؟ هل فيه مصلة أو ليس فيه مصلحة، لكن ظاهره مساكين ما عندهم شيء وتخرق سفينتهم تتلف عليهم، ظاهره ظلم أليس كذلك؟ موسى عليه السلام لظاهر العلم الذي عنده ?قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا?[الكهف:71-73]؛ لأنه ما علم موسى ما الحكمة، والحكمة مرتبطة بإيش؟ بالعلم.
بعد ذلك قتل الغلام ?قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا?[الكهف:74]، شيء منكر عظيم، في الآية الثانية ماذا قال الله جل وعلا مخبرا عن قول الخضر؟ قال ?قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا?[الكهف:75]، في الموضع الأول قال ?أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ?[الكهف:72]؛ لأنها أول مرة، الثانية قال ?قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا (75) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا?[الكهف:75-76] إلى آخر الآيات.
إذن موسى عليه السلام اعترض على علم الخضر الذي علّمه الله جل وعلا وهو كما جاء في الحديث كما قال الخضر «ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما يأخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر» يعني أنه لا شيء فاعترض موسى عليه السلام، وهذه القصة ليبين لنا الله جل وعلا وليبين للعباد أن عدم العلم مدعاة لعدم الاعتراض، إذا لم تعلم فاسكت، واحد يجي يستفتي عالم فيجيبه له حق يعترض وهو لايعلم ما له حق لأنه ما يعلم فأفعال الله جل وعلا في ملكوته لا تعلم أنت الغايات من ورائها، فلذلك وجب عليك التسليم، فإذا اعترضت على علم الله وأنت لا تعلم حقيقة الحكمة، فإنه سبب لزيغ القلب وسبب للبعد.

ولقد أحسن أحد العلماء إذ يقول في ذلك لما ذكر قصة موسى والخضر وذكر الحكمة وما يتعلق بها أحسن إذ قال:
تسـلّ عن الـوفاق فـربنـا قد حـكى بين الملائكـة الخصامـا

كذا الخضِر المكرّم والوجـيه الـ ــمكلّم إذ ألم به لمامــــا
الوجيه المكلم من؟ موسى عليه السلام.

تكدر صـفو جمعهــما مـرارا وعجل صاحـب السرّ الصرامـا
[ففـارقه الكليـم كليـم قلـب وقـد ثنّى على الخضـر الملامـا

وماسبب الخلاف سوى اختلاف الـ ــعلوم هناك بعضـا أو تمامـا
فكان من اللوازم أن يكون الإلـه مـخـالفـا فـيها الأنامـــا

فـلا تجهـل لها قـدْرا وخـذها شـكورًا للـذي يحـيى الأناما


منقول من البيضاء العلمية