بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِـــيمِ


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد ...
فتقول الأخت الفاضلة أم عبدالله ـ جزاها الله خيرًا ـ بنت الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابها الماتع النافع (صفات المرأة الصالحة):

[طاعــة المرأة زوجها وأدبها معه]
قال الله عز وجل في كتابه الكريم: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) [النساء: 34].
قال ابن جرير الطبري في "تفسيره": يعني بقوله جل ثناؤه: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)، الرجال أهل قيام على نسائهم، في تأديبهن والأخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يعني: بما فضّل الله به الرجال على أزواجهم من سَوْقهم إليهنّ مهورهن، وإنفاقهم عليهنّ أموالهم، وكفايتهم إياهن مُؤَنهنّ. وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهنّ، ولذلك صارُوا قوّامًا عليهن، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن.
وأخرج الترمذي في "سننه" (1159) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم قال: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» والحديث حسن.
وأخرج الترمذي في "سننه" (1163) من حديث عمرو بن الأحوص الجُشمي رضي الله عنه أنَّه شَهِدَ حَجَّة الوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ، وَوَعَظَ، فَذَكَرَ فِي الحَدِيثِ قِصَّةً، فَقَالَ: «أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ؛ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ». والحديث حسن لغيره.
وتقتضي هذه الأدلة وجوب خدمة المرأة لزوجها.
وقد قال بوجوب خدمة المرأة لزوجها جماعة من العلماء، منهم أبو ثور، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو إسحاق الجوزجاني.
واختاره شيخ الإسلام فإنَّه قال كما في "مجموع الفتاوى" (2/ 32/ 260): (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) [النساء: 34] يقتضي وجوب طاعتها لزوجها مطلقـًا من خدمة، وسفر معه، وتمكين له وغير ذلك، كما دلت عليه سُنَّة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم في حديث (الجبل الأحمر) وفي (السجود).
وهو قول العلامة الألباني، وقد رَدَّ على الجمهور حيث قالوا: لا يجب على المرأة خدمة زوجها؛ لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام.
ورد عليهم في كتاب "آداب الزفاف في السنة المطهرة" (ص288) ما نصه:
قول بعضهم: "إنَّ عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام" مردود بأن الاستمتاع حاصل للمرأة أيضا بزوجها فهما متساويان في هذه الناحية، ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أوجب على الزوج شيئـًا آخر لزوجته ألا وهو نفقتها وكسوتها ومسكنها، فالعدل يقتضي أن يجب عليها مقابل ذلك شيء آخر أيضـًا لزوجها، وما هو إلا خدمتها إياه، ولاسيما أنه القوام عليها بنص القرآن الكريم كما سبق، وإذا لم تقم هي
بالخدمة فسيضطر هو إلى خدمتها في بيتها، وهذا يجعلها هي القوامة عليه، وهو عكس للآية القرآنية كما لا يخفى، فثبت أنه لابد لها من خدمته وهذا هو المراد.
وأيضا فإن قيام الرجل بالخدمة يؤدي إلى أمرين متباينين تمام التباين، أن ينشغل الرجل بالخدمة عن السعي وراء الرزق وغير ذلك من المصالح، وتبقى المرأة في بيتها عطلا عن أي عمل يجب عليها القيام به ولا يخفى فساد هذا في الشريعة التي سوت بين الزوجين في الحقوق، بل وفضلت الرجل عليها درجة. أ.هـ.
ثم المراد من وجوب الطاعة للزوج: ما كان في حدود الاستطاعة، لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16].
وما كان في المعروف لما روى البخاري (7257)، ومسلم (184) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».
فإذا أمر بمعصية أو بمكروه فما يطاع، إنما الطاعة في المعروف.
وإذا قُدِّر أنَّ الزوج متعنت فالمرأة الصالحة تعالج مشاكلها بالصبر والحلم، وما عالج أحد مشاكله بمثل الحلم والصبر، وكذا باللجوء إلى الله والتضرع إليه، وانتظار الفرج (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح:5-6]، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق: 2-3]. وما أحسن ما قيل:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ***** يكون وراءه فرج قريب

**************************************
وهذه صفات تتعلق بهذه الصفة، أنص عليه أيضـًا تعليمـًا للجاهلة، وتنبيهـًا للغافلة:
1. إعانة المرأة زوجها على الخير، فتعينه على طلب العلم النافع، وكثير من النساء تزهد زوجها في طلب العلم النافع، أو تشغله وتصرفه، نسأل الله العافية.

2. تعينه على الزهد في الدنيا، والمسابقة إلى زاد الآخرة، (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة: 197]، (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) [الأعلى: 17].

3. وتعينه على قيام الليل؛ لأن الله عز وجل يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: 2]، ويقول: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر: 3].
وأخرج أبو داود في "سننه" (1308) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم قال: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ، نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ» وهذا إذا كان لا يغضب من رش الماء في وجهه. وادعي له ولك بالتوفيق والسداد.

4. وتعينه على كسب الحلال، واجتناب المحرم، كالرشوة، والأموال الربوية، والاحتيالات على أكل أموال الناس بالباطل، فإنََّ كسب الحلال سعادة، ويبارك الله فيه، وإن كان قليلًا وله خاصية في انشراح الصدر، وصلاح القلب، وفيه العمل بالدليل الذي من اعتصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم.

5. وتعينه على مكارم الأخلاق، واجتناب الرذائل تأسيـًا واقتداءً بنبينا الكريم، الذي وصفه الله بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]، وبعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق، وصلاح الأعمال.

6. وتعينه على خلق الصبر والشكر؛ لأن المؤمن الموفق إما شاكر، وإما صابر، إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر.

7. وتعينه على صلة أرحامه، وبر والديه، وتذكره إذا زَلَّ وأخطأ. فالحاصل: أنَّ المرأة الصالحة نعم العون لزوجها على طاعة الله.

8. شكر المرأة لزوجها، والدعاء له بالخير، والحياة الطيبة؛ عملًا بما أخرجه أبو داود في "سننه" (4811) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم قال: «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ»، فكم من خير يُقَدِّمه لها مما يعاني منه كثير من الأرامل؛ ولهذا الأرملة تتحطم حياتها، ويُطوى شبابها قبل حينه.
وحــذار من فعــال، وخصــال تسبب كفران نعمة الـزوج، وجحد معروفـه؛ فإنَّ هذا من كفران العشير الذي نُهينا عنه، وأُدبنا بتركه.
أخرج البخاري في "صحيحه" (29) من حديث ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّم قال: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ» قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ».

9. قلة العتاب، وغض الطرف عما يصلح فيه غض الطرف، وقد يُلقَى في قلبه الرأفة، والرحمة بك أعظم مما لو كانت المطالبة بالغلظة والقوة؛ فإنَّ الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. وأمَّا كثرة العتاب فإنَّه يولِّد الشغب والخصام، ويضعف المودة كما قبل:
ولست بمستبقٍ أخـًا لا تلومـه ***** على شعث أي الرجال المهذب
وقال محمد بن عبدالوهاب كما في ترجمته من "تهذيب الكمال": إنَّ طول العتاب يورث ضغناء، ودواء العتاب ترك العتاب.

10. مراعاة غيرة الزوج، وما أكثر ما يحصل الشقاق لعدم المبالاة بغيرته، مثلًا يغار أن يراها إخوانه، أو يغار عليها أن تخرج، أو يغار عليها أن ترد في الهاتف على من اتصل، وهي في واد، وغيرة زوجها في واد؛ فيحصل من سوء تصرفاتها النكبات والويلات، وخاصة وأنَّ بعض الرجال عنده غيرة شديدة، على أنَّه لا يجوز له المجاوزة في الغيرة، بل يقيدها بالدليل.

انتهى النقل من كتاب [صفات المرأة المسلمة: لأم عبدالله بنت الشيخ مقبل الوادعي، 125-130، الطبعة الأولى/ دار الآثار 1435]