تعد سلسلة الحملات الصليبية التي شنَّها العالم الغربي على العالم الإسلامي، من أبرز الأمثلة التاريخية للفساد الخلقي، ولاسيما أنها استخدمت شعارات دينية لتحقيق أهداف دنيوية ضيقة، وتحت شعار تحرير المقدسات قامت بأبشع أعمال السلب والنهب..
لقد بدأت الحرب الصليبية بعد حملة إعلامية كاذبة ومضللة، ولعل أول من وقع في براثنها هم البسطاء من شعب أوروبا الذين تم تجنيدهم باسم نُصرة الدين، والغرض الحقيقي كان خدمة مصالح وأهداف الفئة الحاكمة التي أرادت تغطية فشلها في أمور الحكم عن طريق شغل الشعب بقضية كبيرة براقة..
وقد سجل المؤرخ الأمريكي المعاصر ول ديورانت في كتابه قصة الحضارة، وفي تأريخه لهذه المرحلة من التاريخ الأوربي الكثير من مظاهر الكذب الذي بُنِيَت عليه الحملات الصليبية فقال: “كان من الأسباب المباشرة للحروب الصليبية هو رغبة المدن الإيطالية في توسيع ميدان سلطانها التجاري الآخذ في الازدياد، بعد الاستيلاء على صقلية، وأجزاء كبيرة من أسبانيا من تحت سيطرة العالم الإسلامي (452هـ- 483هـ)، حيث أصبح البحر المتوسط الغربي حرا للتجارة المسيحية، وعمَّ الرخاء المدن الإيطالية نتيجة هذه التجارة، ومن ثم أخذت تتطلع للقضاء على نفوذ المسلمين في الجزء الشرقي من البحر المتوسط، وفتح أسواق الشرق الأدنى لبضائع غرب أوربا، ولسنا نعلم إلى أي حد كان هؤلاء التجار الإيطاليون قريبين من مسامع البابا؟!” .أما عن الأسباب المعلنة للحرب الصليبية فقد أورد ديورانت نص الخطاب الذي ألقاه البابا على مسامع الوفود التي تم جمعها من شتى أنحاء أوربا، وقد جاء في هذا الخطاب: ” يا شعب الفرنجة! شعب الله المحبوب المختار! لقد جاءت من تخوم فلسطين ، أنباء محزنة تعلن أن جنسا لعينا (يقصد المسلمين!) أبعد ما يكون عن الله، قد طغى وبغى في تلك البلاد،بلاد المسيحيين، وخربها بما نشره فيها من أعمال السلب وبالحرائق، ولقد ساقوا الأسرى إلى بلادهم وقتلوا بعضهم الآخر بعد أن عذبوهم أشنع التعذيب، وهم يهدمون المذابح في الكنائس، بعد أن يدنسوها، على من إذن تقع تبعة الانتقام لهذه المظالم، كما أن الأرض التي تسكنوها ضيقة وطعامها لا يكفيكم، فاذهبوا وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث، وتملكوها أنتم، إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها، هي فردوس المباهج” .
وبالفعل تم تجهيز جيش عرمرم وتوجه نحو فلسطين لإنفاذ مهمته المقدسة!!
يصف المستشرق الفرنسي الشهير جوستاف لوبون سلوك الصليبيين وأخلاقهم بعد احتلالهم القدس قائلاً: “لقد كان سلوك الصليبيين حين دخلوا القدس غير سلوك الخليفة الكريم عمر بن الخطاب نحو النصارى حين دخلها منذ بضعة قرون، حيث عقد الصليبيون مؤتمرا أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس ، من المسلمين، واليهود، وخوارج النصارى، الذين كان عددهم نحو ستين ألفا، فأفنوهم جميعا في ثمانية أيام ! ، ولم يستثنوا منهم امرأة، ولا ولدا، ولا شيخا!! فقد قطعت رءوس بعضهم، وبقرت بطون بعضهم، وحرق بعضهم في النار، فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار!..
كما أورد المؤرخ ديورانت في كتابه قصة الحضارة شهادة قس يدعى ريموند الإجيلي وكان شاهد عيان على أفعال الصليبيين في القدس فقال: ” لقد شاهدنا أشياء عجيبة، إذ قطعت رءوس عدد كبير من المسلمين وقتل غيرهم رميا بالسهام، أو أرغموا على أن يلقوا بأنفسهم من فوق الأبراج، وظل بعضهم الآخر يعذبون عدة أيام، ثم أحرقوا في النار، وكنت ترى في الشوارع أكوام الرءوس والأيدي والأقدام، وكان الإنسان أينما سار فوق جواده يسير بين جثث الرجال والخيل”
المصادر
أخلاق الحروب
حضارة العرب
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾